أنماط التدين بالمغرب : البهائيون المغاربة

ندوة من تنظيم مركز مدى للدراسات والأبحاث الإنسانية


مقدمة

في خضمّ الانتقال نحو الحداثة، عاشت شعوب منطقتنا تحديات كثيرة تمثلت أساسا في موازنتها بين الاستقرار والوحدة، وبين التغيير في الثقافة وما يقتضيه من جرأة وتضحية، وما يصاحبه من رفض وممانعة. واليوم، يعيش المجتمع المغربي، بكل مكوناته، سياق التحوّل إلى "الديمقراطية" و "الدولة المدنية". والمملكة المغربية، الموقعة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كانت من بين الدول الأوائل التي صادقت مؤخرا، ودون تحفظ، على المقرر الأممي حول حرية الدين والمعتقد. لكنّنا، لا زلنا في حاجة إلى مجهودات جمّة لكي يصبح هذا الإعلان واقعا ملموسا، فالقوانين والتشريعات لن تكون كافية إن لم يصاحبها تغيير عميق في ثقافة المجتمع بما يضمن التعايش ويحقق الوحدة في التنوع.

وتعدُّ "الجامعة البهائية المغربية" [1]، التي يعود وجودها إلى أكثر من ستين عاماً، إحدى مكونات المجتمع المغربي المتميز بتنوعه اللغوي والثقافي والديني منذ فجر التاريخ. والمغاربة البهائيون، مثلهم مثل كل الذين انجذبوا إلى رسالة حضرة بهاءُالله [2] في كلّ بقعة من بقاع الأرض والتزموا برؤاه، يتعلّمون كيفيّة تطبيق تعاليمه بشكل منهجيّ، مدركين أن عمل الهدف المزدوج ذي الأهمية الجوهرية في حياتهم يكمن في الاعتناء بنموّهم الروحي والفكري والمساهمة في تحوّل المجتمع. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر، حمل حضرة بهاءُالله رسالة جديدة إلى البشر تؤكد مبدأ وحدانية الله وتذكّرنا بوحدة الأديان وتنصّ على وحدة الجنس البشري. ومن خلال آثاره الكتابية، وضع الخطوط الرئيسة لإطار عمل يهدف إلى تطور الحضارة العالمية، ويأخذ بعين الاعتبار البعدين الروحاني والمادي لحياة الإنسان. ومن أجل ذلك تحمل السجن والتعذيب والنفي طيلة أربعين عاما.

اليوم، يتواجد البهائيون في أكثر من مئتين وخمسة وثلاثين بلداً. من كلّ عرق ودين وملّة وطبقة تتّحد النّفوس في رؤية أنّ البشريّة أمّة واحدة وأنّ الأرض وطن واحد. كما أنَّ الدِّين البهائي مُعترف به رسمياً في العديد من الدول، و "الجامعة البهائية العالمية" [3] مُمثّـلة تمثيلاً غير حكومي في هيئة الأمم المتحدة والأوساط الدولية والإقليمية، كالإتحاد الأوروبي والإتحاد الأفريقي، وترتكز مجهوداتها على فكرة أنّ لكلّ أمة ومجتمع وفرد دوره الخاص ليؤديه في بناء مجتمع عالميّ مزدهر ينعم بالسلام والاطمئنان، إيمانا منها بأن الجنس البشري خُلِق لكي يحمل حضارة إنسانية دائمة التقدم، وبأنّ البشريّة بأجمعها توجد في مُعتَرَك عمليّة دائمة التطوّر روحانيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا وعلميًا، وأنّها تقف على أعتاب مرحلة جديدة من الترابط العالمي والإعتماد المتبادَل. ولعلّ السِّمة المميّزة لهذه المرحلة ستكون الوعي المتنامي بوحدة الجنس البشري، وهو مبدأ سيؤثّر في كافّة جوانب الحياة المنظَّمة.

نبذة تاريخية

يرجع تواجد الدين البهائي في المغرب إلى خمسينيات القرن الماضي [1]. فمنذ سنتي 1952 – 1953م، بدأت بعض العائلات البهائية المهاجرة من مناطق مختلفة كمصر وسوريا وإيران والولايات المتحدة الأمريكية بالاستقرار في المملكة المغربية. وفي إطار تفاعلهم التلقائي مع الأهالي، كان من الطبيعي أن يقوم هؤلاء المقيمون الجدد بتبليغ معتقداتهم بشكل عفوي نابع من إيمانهم العميق بأهميتها للبشرية جمعاء. فاعتنق بعض المغاربة الدين البهائي، مشكلين بذلك نواة الجامعة البهائية المغربية. وما ستشهده هذه الأخيرة فيما بعد من محطات تاريخية، تخللتها أزمات وانفراجات، إنما هو نتاج نمو عضوي عرفه المغرب على فترات شكلت معالم تاريخه الحديث منذ الاستقلال إلى الوقت الراهن.

كانت أول محطة من مدينة الناظور حيث معظم السكان هم من الأمازيغ. ففي أبريل سنة 1962م، تمّ اعتقال أربعة عشر فردا بهائيا بهذه المدينة الواقعة في الشمال الشرقي للبلاد [1، 4]. وقد جاء ذلك خلال فترة حساسة جدا، وهي فترة الانتقال من مرحلة الاستعمار الأجنبي، والتي سميت بفترة الحماية، إلى مرحلة الاستقلال وبناء الدولة المغربية الحديثة. وفي ظروف كهذه، كان من الطبيعي النظر بنوع من الشك والارتياب لكل ما هو غريب عن الثقافة والاعتقاد السائدين في البلد. وبعد صدور أحكام مختلفة، وصلت حد الإعدام بالنسبة لثلاثة منهم، انطلقت موجة من الحوار المجتمعي بين مؤيد ورافض لهذه الأحكام. حتى أن الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، صرح بأنه في حالة متابعتهم النهائية سوف يستعمل صلاحياته بالعفو عنهم. وفي دجنبر سنة 1963م، جاء الحكم الصادر من المجلس الأعلى للقضاء بإبطال جميع التّهم وتبرئة المعتقلين دون إحالة.

لازال البهائيون في المغرب يتذكرون هذه الأحداث ببعض من الأسى، ولكن بكثير من الفخر والاعتزاز، حيث أن الامتحان الذي عاشته الجامعة البهائية المغربية كان سببا في خلق نقاش مجتمعي واسع حول حرية المعتقد والحق في الاختلاف. وقد كانت هناك العديد من الأقلام والمنابر والأصوات التي دافعت عن البهائيين، فكان دفاعها إحدى اللبنات التي وضعت في بناء دولة الحريات وحقوق الإنسان. كما أن القانون المغربي لم يكن يجرم تغيير المعتقد والمعروف عند الجمهور بالردّة، رغم أن القانون الأساسي للمملكة نصَّ بصريح العبارة على أن دين الدولة هو الإسلام. وبالتالي شكلت محاكمة البهائيين آنذاك امتحانا حقيقيا للقضاء المغربي من حيث استقلاليته من جهة، وموازنته بين القوانين والمواثيق الدولية التي انضمت إليها الدولة المغربية منذ الوهلة الأولى وبين المرجعية الإسلامية المهيمنة على الحياة العامة من جهة أخرى.

لكن، ومع نهاية الستينيات، قضت محكمة مكناس بالسجن سنة نافذة على سيدة مغربية تؤمن بالدين البهائي قامت بدفن زوجها البهائي المغربي في المقبرة البهائية المتواجدة بالمدينة منذ الخمسينيات بفضل المهاجرين الأوائل. جاء الحكم بعد الدعوة التي أقامها أحد الإخوة في حق زوجة أخيه، وقد ارتكز على الفصل 220 من القانون الجنائي الذي أضيف بعد محاكمة الناظور والمعروف منذ ذلك الحين بقانون "زعزعة عقيدة مسلم". ورغم أن هذه الحادثة كانت منعزلة ولم تشكل امتحانا جماعيا كسابقتها، إلا أنها كانت قاسية نظرا لأوضاع الأسرة، حيث عانى سبعة أطفال في نفس الوقت من فقدانهم لأبيهم وسجن أمهم. كما أنها أماطت اللثام عن قانون جديد يمكن استعماله للتضييق على البهائيين.

المحطة الثانية كانت في سنوات الثمانينيات، حيث عاش المجتمع المغربي قاطبة تحديات جديدة لم تستثن منها الجامعة البهائية في المغرب. فهذه الفترة، وخصوصا تلك الممتدة ما بين سنتي 1983 و 1984م، عرفت عددا من الاعتقالات والمحاكمات، في مدن الدار البيضاء والمحمدية وتطوان. واتسمت هذه المحطة بإدانة بعض العائلات والأفراد البهائيين وسجنهم لمدة تتراوح بين 10 أشهر و 3 سنوات، كما طرد البعض منهم من عملهم[1]. وقد تلت المحاكمة حركة واسعة من الاستجوابات والتحقيقات شملت معظم البهائيين في المغرب.

عاش البهائيون في جو من العزلة والانطواء لمدة عقدين من الزمن فرضتها عليهم الظروف والأوضاع المتوترة، إلا أن إيمانهم بالمبادئ السامية التي يدعو إليها حضرة بهاءُالله جعلتهم حريصين على الاستمرار في خدمة وطنهم بكل إخلاص وتفان آملين من العلي القدير أن يعرف بلدهم الحبيب تطورا وازدهارا ماديا وروحانيا في قادم الأيام. ثم بدأت مرحلة جديدة مع ولوج الألفية الثالثة، والتي كانت مرحلة انتقالية بكل المقاييس.

دخول المغرب إلى الألفية الجديدة من الباب الواسع، يجعل أي متتبع للشأن المغربي سواء من الداخل أو من الخارج يقر بما لا يدع مجالا للشك بأن هذه المرحلة متميزة من حيث الحقوق والحريات وكذلك من حيث النمو الاقتصادي والتنمية البشرية. وبالنسبة للجامعة البهائية المغربية فقد عرفت بدورها نموا ملحوظا، وأصبح البهائيون متواجدين بغالبية المدن الكبرى للمملكة وكذلك ببعض القرى والأرياف، وصاروا يمثلون معظم الأصول المغربية وينتمون لمختلف الطبقات والمستويات الاجتماعية. وكجزء لا يتجزأ من هذا المسار وهذا التطور الإيجابي، شارك البهائيون أصدقاءهم ومعارفهم تعاليم دينهم الداعية إلى خدمة المجتمع وبنائه بشكل أوسع، آملين المساهمة في دفع عجلة النمو والانفتاح قدما.


الوضعية الراهنة

تعيش الجامعة البهائية المغربية، اليوم، في جو من التعايش والألفة مع المجتمع الأوسع الذي يحتضنها. وقد شكلت الذكرى المئوية الثانية لمولد حضرة بهاءالله مناسبة ثمينة لتجسيد هذا التعايش وتعزيزه. فقد احتفل بهائيو المغرب بدورهم بهذه الذكرى المجيدة، وأقيمت الاحتفالات في جل المناطق التي يتواجدون بها. وكم كانت فرحتهم كبيرة بتلبية أصدقائهم ومعارفهم وأفراد عائلاتهم الدعوة للمشاركة في هذه الاحتفاليات. ورغم عدم تمكنهم من حجز قاعات للحفلات، والاكتفاء بالاحتفال في المنازل كما جرت العادة، فإن المجتمعين كانوا في غاية البهجة والسرور وهم يشاهدون ما آل إليه المجتمع المغربي من انفتاح وتعايش وما وصل إليه من إدراك لأهمية الوحدة في التنوع.

وأصبح البهائيون المغاربة بدورهم أكثر انفتاحا من ذي قبل على مجتمعهم. وفي كل مناسبة يشاركون فيها معتقداتهم مع أصدقائهم، وأقاربهم، وجيرانهم، وزملائهم في العمل، صاروا يلمسون تقبلا للاختلاف وإقبالا على الحوار الهادف والبناء. وتبقى بعض التعليقات المتعصبة التي تظهر من حين لآخر، كلما تمت الإشارة إلى البهائيين المغاربة في الإعلام المكتوب أو على بعض المواقع الإلكترونية، مجرد حالات منحصرة في الفضاء الافتراضي. ولا يمكن الحديث في الآونة الأخيرة عن أية مضايقات ممنهجة، مجتمعية كانت أو من طرف مؤسسات الدولة. كما أنّ هناك بهائيون مغاربة معروفون لدى الشارع المغربي من خلال كتاباتهم ومساهماتهم الفكرية، ولا أحد يسيء إليهم أو يتعرض لهم بالأذى وإن اختلفوا معهم في الأفكار والمعتقدات. هذا لا ينفي، بطبيعة الحال، أن بعض البهائيين لا زالوا يجدون صعوبة في الإعلان عن هويتهم خوفا من الردود السلبية الصادرة من محيطهم القريب، أو ربما توجسا من عودة المضايقات الأمنية.

لكن، رغم التطبيع الحاصل في التعامل مع البهائيين في المغرب، طبعاً بشكل غير رسمي وعلى مستويات متفاوتة، سواء تعلق الأمر بالسلطات الأمنية أو بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان أو ببعض المنابر الإعلامية[1]، فهم لحد الساعة لا يمثلون ولو "أقلية دينية" معترف بها رسميا، ولا يتوفرون على إطار تنظيمي يمثلهم تمثيلا قانونيا، علما أنهم يَنتخبون سنويا محافل روحانية تدير شؤونهم الدينية والاجتماعية على المستويين المحلي والمركزي. هذا الوضع القائم يترتب عليه، بطبيعة الحال، مجموعة من التحديات بالنسبة للجامعة البهائية المغربية. ويمكن تلخيص هذه التحديات في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية من زواج وإرث ودفن، على سبيل المثال لا الحصر، ومن جهة أخرى في كل ما يرتبط بحياة الجامعة (المجتمع البهائي) ومشاركتها في بناء المجتمع الأوسع وتنميته وفق رؤية عالمية تبلورت على مرّ السنين بفضل التطبيق العملي لتعاليم حضرة بهاء الله في وضعيات مختلفة وثقافات شتّى.

الزَّواج

الزواج البهائي في شقه التنظيمي يعتمد في نفس الوقت على عقد مدني، وعلى عقد بهائي من إجراء المحفل الروحاني المحلي للبهائيين. وفي بعض الحالات يتم توثيق العقد البهائي مدنيا في الدول التي تسمح بذلك، مثل غالبية الدول الغربية أو في مملكة البحرين الشقيقة كمثال متميز بالنسبة للدول العربية. ويكمن الإشكال في الحالات التي ينتمي فيها البهائيون إلى دول ذات مرجعية إسلامية تعتمد في قوانينها على أحكام الشريعة خصوصا في الشق المتعلق بمدونة الأسرة والأحوال الشخصية [5]. ويصبح الأمر مستحيلا إذا كانت المؤسسة المشرفة على عقد الزواج في هذه البلدان هي مؤسسات دينية، كمؤسسة الأزهر في دولة مصر العربية.

بالنسبة للمغرب، وجد البهائيون أن القانون المغربي لا يتعارض مع إجرائهم لعقود الزواج ما دامت المؤسسة التي تختص بذلك هي مؤسسة القضاء وهي مؤسسة مدنية. ويبقى التحدي القائم هو مشكلة الزواج من الأجانب، وخصوصا زواج البهائية من أجنبي غير مسلم، لأن المشرع المغربي يعتبر المواطنين المغاربة مسلمين بشكل تلقائي باستثناء الجالية اليهودية التي تخضع لأحكام شرعية خاصة بها. وكانت لدى الجامعة البهائية في المغرب حالة موثقة رفض فيها قاضي الأسرة إجراء العقد لأن الزوج مصري بهائي، طالبا من الزوجين الإقرار باسلامهما ولو شكلا ليتمكن من تجاوز هذا التعقيد الذي يفرضه القانون. هذا الوضع يتشارك فيه كل المغاربة على اختلاف معتقداتهم، ويصبح جليّا في حالة الزواج من الأجانب. لذلك، نظن أن المشكل بالأساس هو مشكل حقوقي يمس الحرية الفردية لكل المواطنين المغاربة، وليس فقط مطلبا من مطالب الجامعة البهائية.

الإرث

ترتكز أحكام الميراث في الدين البهائي على مفهوم التوزيع العادل للثروة. ويعتمد البهائيون على أحكام "الكتاب الأقدس"[6] التي شرّعت المواريث من جهة، ونصت من جهة أخرى على الوصية كحكم إلزامي لكل بهائي يمكنه من خلالها تقسيم ثروته بمراعاة المبادئ الأساسية للدين البهائي كالمساواة بين الجنسين مثلاً.

في هذا الجانب، أيضاً، يجد البهائيون المغاربة أنفسهم في وضع معقد يفرض عليهم الامتثال لأحكام الشريعة الإسلامية المنظمة للإرث، ويحرمهم في نفس الوقت من تنفيذ الوصية لأنها بنفسها تجري عليها نفس الأحكام الشرعية. وقد أصبحت مسألة المساواة في الإرث مطلبا مجتمعيا في السنوات الأخيرة، يرفعه عدد من الحقوقيين والسياسيين والجمعيات النسوية.

الدّفن

يدفن البهائيون موتاهم في مقابر يطلقون عليها اسم "الروضة الأبدية". ويجري الدفن وفق مراسم خاصة ينص عليها الدين البهائي، كما أنّ هناك صلاة جماعية تقام للميت وتعد الصلاة الوحيدة التي يؤديها البهائيون جماعة. كل هذه الأمور تستلزم توفر مقابر خاصة بالبهائيين من جهة، وهامشا من الحرية وتقبل الاختلاف من طرف أفراد المجتمع من جهة أخرى.

في المغرب تعتبر الجامعة البهائية أوفر حظًّا من نظيراتها في دول منطقتنا كتونس مثلا، حيث تتوفر على مقابر خاصة في مجموعة من المدن الكبرى. وبالنسبة لإجراءات الدفن فهي تتم بدون عوائق من الناحية الإدارية في الآونة الأخيرة، لكن يجب مراعاة الجانب المجتمعي في كل ما يتعلق بموافقة العائلة ومدى معرفة الجيران بالهوية الدينية للمتوفى.

التربية الدينية

إحدى الإشكالات التي قد تواجهها بعض الأسر البهائية المغربية هي اضطرار أبنائها لدراسة مادة التربية الإسلامية المفروضة على الجميع في التعليم المغربي. وفي هذه الحالة أيضاً نستحضر المثال المتميز لدولة البحرين التي تترك الحرية لمواطنيها في تسجيل أبنائهم في هذه المادة من عدمه. ورغم أن الدين البهائي يحث على تربية الأبناء تربية روحانية، إلا أن ذلك لا يعني تلقينهم طقوسا دينية بعينها. وإنما المقصود هو تعليمهم القيم والفضائل الإنسانية، وجعلهم مدركين بالاختلاف والتنوع المحيط بهم. كما يمكن إعطاؤهم تاريخا مختصرا عن الأديان الموجودة دون مقارنة تذكر.

وقد عرف المغرب مؤخرا نقاشا واسعا بسبب تغيير تسمية هذه المادة من التربية الإسلامية إلى التربية الدينية، في تلميح إلى الاعتراف بكل الفئات ولو ضمنيا، وإلى أنّ هذه التربية يرادُ لها أن تكون "إنسانية" لتركز على المشترك الإنساني وقيم الوسطية والاعتدال والتسامح وقبول الاختلاف. ومع ذلك فإنّ هوية الطفل البهائي تبقى معرضة للإقصاء في ظل عدم الاعتراف الرسمي بهذه الفئة من المواطنين المغاربة.

حياة الجامعة

إنّ حياة الجامعة البهائية (المجتمع البهائي) تشمل عددا من الجوانب، الروحانية منها، والتنظيمية أو الإدارية. فالدين البهائي له أحكامه وشعائره الفردية التي تميزه كالصلاة والصوم وغيرهما، وله أيضا ما يميزه من ممارسة جماعية تتمثل في إدارة شؤون الجامعة البهائية التربوية والاجتماعية ومشاركتها في بناء الوحدة داخل المجتمع الأوسع والمساهمة في جلب الرخاء الروحي والمادي على حدّ سواء. هذه الممارسة الجماعية لتعاليم الدين البهائي تشترط وجود مؤسسات منتخبة نصت عليها أحكام الدين نفسه. ففي الدين البهائي لا وجود لمفهوم الكهنوت، وبالتالي ليس عند البهائيين ما يشبه القس أو الحبر أو الراهب أو الفقيه أو الإمام. في مقابل ذلك، ينتخب البهائيون سنويا مؤسسات تضم تسعة أعضاء سواء على الصعيد المحلي، وتسمى بالمحافل الروحانية المحلية، أو على صعيد القطر، ويشار إليها بالمحفل الروحاني المركزي. ويمثل هذا الأخير المؤسسة العليا للبهائيين في كل بلد ينتمون إليه.

يعدّ وجود هذه المؤسسات في المغرب مكسبا تاريخيا بالنسبة للجامعة البهائية المغربية، حيث أن أول محفل روحاني مركزي قد تم انتخابه سنة 1967م [1]، ولم يكن هناك أبدا قرار أو حكم يقضي بمنع انتخاب المحافل أو حلّها، كما هو الشأن بالنسبة للبهائيين في مصر إبان حكم عبد الناصر. لكن غياب إطار قانوني تنضوي تحته هذه المحافل، مثل الجمعية البهائية الفرنسية التي تمثل الإطار القانوني للمحفل الروحاني المركزي للبهائيين في فرنسا، يشكل عائقا أمام الاضطلاع بصلاحياته على أكمل وجه. ونذكر هنا على سبيل المثال مسألة الأوقاف والمراكز البهائية التي يصعب إدارتها في الوقت الراهن.

من ناحية أخرى، فإن الشعائر في الدين البهائي هي في معظمها فردية ولا تتطلب أماكن عامة للقيام بها، أما المعابد البهائية والتي تسمى ب "مشارق الأذكار" فهي أماكن للعبادة مفتوحة للجميع، ولا تمارس فيها طقوس معينة، ويمكن لأي شخص من أية ديانة كانت أن يتلو فيها صلاته ومناجاته في صمت وخشوع. وتتوفر الجامعة البهائية العالمية على مشارق أذكار قارية مثل معبد اللوتس في الهند، والذي يمثل مشرق أذكار قارة آسيا، وآخرها هو معبد سنتياغو في الشيلي الذي تم افتتاحه عام 2016م ويمثل مشرق أذكار أمريكا اللاتينية [7]. حاليا يتم الشروع في إحداث بعض مشارق الأذكار المركزية والمحلية تماشيا مع مستوى نمو الجامعات البهائية ومشاركتها في حياة المجتمع. ويبدو أن هذا الأمر لا يزال بعيد المنال في الظروف الحالية بالنسبة لمجتمعاتنا، لذلك لا يمكن معرفة مدى تفاعل مؤسسات الدولة مع هذا الموضوع.


آفاق وتطلعات

لقد اعتمد المغرب سنة 2011، دستورا جديدا [8] يتوخّى أن يكون ضامنا للحريات، وخصص لها بابا كاملا. كما تضمن اعترافا صريحا بسمو الاتفاقيات والعهود الدولية على القوانين الداخلية للبلاد، لا سيما تلك المتعلقة بحقوق الإنسان. لكن في الوقت ذاته نجد أن هذا الدستور نفسه، يدعو إلى احترام الهوية الوطنية الثابتة للمغاربة، كما يعتمد الإسلام دينا للدولة في إطار إمارة المؤمنين. فهل يعدُّ ذلك تناقضا، يشكل في حدّ ذاته تقييدا للمساعي المبذولة في اتجاه تحقيق العدالة والكرامة لكل المواطنين على اختلاف معتقداتهم وانتماءاتهم الفرعية؟

إنّ "الحالة المغربية" فيما يتعلق بملاءمة القوانين للطابع الإسلامي الغالب على الهوية المغربية، من جهة، والرغبة في الانفتاح والحداثة وتقبل الاختلاف، من جهة أخرى، هي حالة متفردة وملهمة في نفس الوقت. فقد حظيت فئة من المغاربة ذات الأصول العبرانية بحرية ممارسة شعائرها وتنظيم شؤونها الدينية والاجتماعية بكل استقلالية، وذلك منذ عهود السلاطين التي تعاقبت على حكم المغرب، قبل ظهور الدساتير والقوانين الدولية. كما أنّ مدونة الأسرة وكل القوانين المنظمة للحياة العامة عرفت بدورها، وباستمرار، تحديثات نوعية تطلبت اجتهادات فقهية وقانونية جريئة لجعلها مسايرة ولو نسبيا لما وصلت إليه حقوق الإنسان العالمية. هذه الخاصية التاريخية تجعلنا مطمئنين لما يمكن تحقيقه في قادم الأيام من مكتسبات حقوقية، استمرارا لنفس النهج الذي دأبت عليه دولتنا، وتماشيا مع ما وصلت إليه الإنسانية من ترابط واتحاد في المفاهيم والقيم والحقوق والحريات.

ولا شك بأنّ الانتقال نحو العدالة والكرامة هو مسار طويل ومعقّد، يستلزم وضوحا في الرؤية وتركيزا مستمرا على الهدف. فمن المؤكد أننا سنواجه تحديات على طول الطريق، وسنشهد تفاوتا في السرعات تقتضيه طبيعة النمو العضوي الآخذ في التكشُّف مع مرور الأيّام. لذلك نحن مطالبون جميعا بخلق حوار مجتمعي، والتشاور في كيفية تغيير القوانين بما يتماشى مع روح الدستور الجديد وحقوق الإنسان الأساسية، طبعاً مع مراعاة تنوع البيئة الحاضنة باختلاف مكوناتها وروافدها، والتدرج الذي تقتضيه الظرفية الحالية والتي تعدُّ ظرفية انتقالية بامتياز. لكن ترسيخ حرية المعتقد في القوانين والتشريعات المغربية، والاعتراف بمختلف مكونات المجتمع اللغوية والدينية، ليس كافيا في حدّ ذاته إن لم يصاحبه تغيير في بنية المجتمع الثقافية والتربوية وفي عقده الاجتماعي بما يتماشى مع مفاهيم المواطنة والعالمية. إنّ ما نطمح إليه ليس مجرد اعتراف بالوجود وتقبل للاختلاف، وليس تحقق مطالب فئة بعينها، بل هو إدراكٌ مجتمعيٌّ شامل لما يمثله التنوع من غنى وما تجسده الوحدة في التنوع من قوة لا مثيل لها.

ترسيخ حرية المعتقد

يبدو أن التنصيص على أن “الإسلام دين الدولة” في الفصل الثالث من الدستور هو بمثابة تحصيل حاصل، فالعديد من دساتير الدول العربية تنص على ذلك، بل يكاد يكون هذا النص الأكثر حضورا في مختلف الدساتير العربية والإسلامية. والمغرب باعتباره بلدا إسلاميا لا يشكل استثناء عن باقي الدول العربية والإسلامية في هذا الصدد، حيث أصبح الإسلام دين الدولة الرسمي منذ القانون الأساسي للمملكة، ثم بمقتضى باقي الدساتير المغربية المتعاقبة. والتنصيص على دين الدولة في الدستور الحالي لا يعني بالضرورة العودة إلى الوراء أو التراجع عن المكتسبات الحقوقية، بل هو أمر يتعلق بهيمنة الدين على المجتمع وبأنّ غالبية المغاربة مسلمون، كما لا يعني من الناحية القانونية اعتماد الدين مصدرا لوضع القوانين أو للتشريع.

ثم إنّ هذا النص الدستوري يضيف عبارة : “الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”. وقد تشكل هذه الإضافة مدخلا قانونيا لإقرار حرية المعتقد، وذلك من خلال تحميل الدولة مسؤولية ضمان ممارسة الشؤون الدينية الفردية للمواطنين. ورغم أنّ دستور 2011 لم يشر إلى وجود أديان أخرى بالمغرب من قبيل الديانة اليهودية - فهو عند إشارته لليهود المغاربة كان بصدد الإشارة إلى روافد الهوية الوطنية : الإفريقية والعبرية والمتوسطية، باعتبار أنّ لفظ العبرية يشير إلى الثقافة اليهودية لا إلى الديانة اليهودية - غير أن ذلك لم يمنع من وجود اعتراف رسمي بالديانة اليهودية كديانة لقسم من المغاربة. من هذا المنطلق، فإن عدم التنصيص الدستوري على ديانة ما لا يعني بالضرورة أنها ديانة محظورة.

كما أنّ اعتبار الديباجة جزء لا يتجزأ من الدستور، مع ما تتضمنه هذه الديباجة من مبادئ وقواعد قانونية مدعمة لفصول الدستور أو مكملة لها أو واضعة إطارا لبعضها، وخاصة تلك التي تتميز بوضع حساس كموضوع حرية الدين والمعتقد، يعدّ امتيازا قلّ نظيره في الدساتير المعاصرة. فقد ورد في ديباجة الدستور الجديد أنّ المملكة المغربية تلتزم بـ :

– حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق، وعدم قابليتها للتجزيء؛

– حظر ومكافحة كل أشكال التمييز، بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي مهما كان؛

– جعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المملكة المغربية قد صادقت مؤخرا ودون تحفظ على المقرر الأممي حول حرية الدين والمعتقد [9]، والذي ينص على "أنّ الفرد له الحق في حرية الفكر والدين بما يشمل حريته في أن يكون أو لا يكون له دين أو معتقد، وفي أن يعتنق دينا أو معتقدا يختاره بنفسه، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعليم والممارسة والتعبد واقامة الشعائر بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة، بما في ذلك حقه في تغيير دينه أو معتقده".

ويمكن اعتبار هذا التنصيص في ديباجة الدستور مدخلا ثانيا، وربما أكثر قوة ووضوحا، من أجل إقرار حرية المعتقد في التشريعات والقوانين، وتغيير كل القوانين السالفة التي تحد من حرية الأفراد بسبب معتقداتهم ودياناتهم التي تختلف عن دين الأغلبية. وبالتالي فكل النصوص التي مازالت عالقة بالقانون الجنائي، ويتم استعمالها لتجريم حرية العقيدة أو التضييق على "الأقليات الدينية" أو منعها من ممارسة شعائرها بكل حرية، هي نصوص غير دستورية، ويمكن الدفع بذلك أمام المحكمة الدستورية، لأنها تتعارض مع المواثيق الدولية وباقي النصوص المذكورة في دستور 2011. وبالطبع نحن في حاجة إلى بناء مزيد من القدرات لدى الحقوقيين ورجال القانون في هذا المجال، وإلى إرادة مجتمعية حقيقية لكي نتمكن من تحقيق هذا الأمر.

الجمعية البهائية المغربية

إن الاعتراف بفئة من المجتمع تؤمن بدين يختلف عن دين الأغلبية هو حقٌّ من الحقوق الأساسية للإنسان، ودون ذلك يعتبر خروجا عن الحقّ وعن المنطق، وتجاهلا لما وصلت إليه الإنسانية من وعي جماعي تشكل عبر تاريخها المشترك. وكما قال عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران : "أوّل شروط الحوار، هو الاعتراف بالآخر بوصفه شريكا في التخاطب، إذ أنّ لهُ ما لنا من الحقوق. والحوار الحقيقيّ هو ما ينشأ عندما نعترف للآخر بالأهليّة عينها التي نراها لأنفسنا" [10].

ويُعدّ الاعتراف بـ "المحفل الروحاني المركزي" كهيأة عليا تمثل البهائيين في المغرب، من خلال إقراره جمعية مصرّح لها من طرف السلطات الرسمية، مطلبا جوهريا للجامعة البهائية في المغرب. فلا يمكن الاستمرار في تجاهل فئة من المجتمع يعود وجودها إلى أكثر من ستين سنة، عاشتها في سلم وتعايش، ولا يمكن إنكار حقها في ممارسة معتقداتها بكل حرية. كما أنّ توفر إطار قانوني، كالذي تمنحه الجمعية، سيمنح الجامعة البهائية المغربية اعترافا رسميا ووضعية سليمة تخولها، من جهة، تنظيم شؤونها الإدارية، ومن جهة أخرى، المشاركة في حياة المجتمع بحرية أكبر، وذلك من خلال المساهمة برؤيتها المتكشِّفة من تعاليم حضرة بهاءالله لعالم يسوده العدل والسلام.

المواطنة كإطار

عرفت المجتمعات البشرية تطورا على مرّ العصور. واليوم، يمكن الحديث عن نوعين من المجتمعات: مجتمعات مادية مرتبطة بجغرافيا محددة بحدود رسمية وممثلة بدول معترف بها في المحافل الأممية، حيث تملك سلطة اتخاذ القرار، ومجتمعات معنوية ليست لها حدود معيّنة ومرتبطة إما بعرق أو بلغة أو بدين معيّن، وهي مجتمعات لا تملك سلطة اتخاذ القرار في المنظومة الدولية. فإذا كانت الأولى تسعى إلى التعايش السلمي في إطار القانون الدولي، فإنه على المجتمعات المعنويّة أن تتعلم أسلوب العيش المشترك المبني على مبدأ الوحدة في التنوع، فحتى مبدأ التّسامح الذي كان يقترن بالتّحكم والسّيطرة الأحادية لم يعد صالحا في هذا الوقت. وهنا تتجلى أهمية الإطار الجامع أو المُوحِّد، فهو الذي يحدد نوع العلاقات الاجتماعية المؤسسة لهذه الوحدة.

وتمثل المواطنة في عصرنا أرقى ما وصلت إليه الإنسانية من إطار مؤسساتي وعقد اجتماعي ينضوي تحته الأفراد والجماعات المختلفة. لكن استعمال هذا المصطلح في منطقتنا لم يصل بعد للمعنى الحقيقي الذي يجسده المفهوم العالمي للمواطنة Citizenship. هذا ما انتبه إليه الفيلسوف والكاتب المغربي محمد عابد الجابري، حين أشار إلى غياب هذا اللفظ في معاجمنا القديمة المتداولة، مؤكدا أنه "ليس في مخزون العرب، اللغوي وبالتالي الفكري والوجداني، ما يفيد "ما" يعنونه اليوم باللفظين: المواطنة والمواطن" [11]. هذا بالإضافة إلى الخلط الذي يقع أحيانا بين المواطنة والوطنيَّة، وما يصاحبها من شعور متعصب لا يختلف عن القبلية والقومية.

فهل علينا الاستمرار في الحديث عن الحقوق والحريات بشكل مجزأ، كحرية المعتقد وحقوق المرأة والمساواة في الإرث، أم حان الوقت لمراجعة العقد المجتمعي مراجعة شاملة والبحث عن إطار أوسع لمفهوم الجماعة؟ وكيف يمكننا أن نفرق بين السلطة الروحية والأخلاقية التي قد تمثلها المؤسسات الدينية على اختلافها، وبين السلطة الإدارية والسياسية والتي هي أصلا من اختصاص مؤسسات الدولة المدنية؟

إنّ تحوّل إطار الدولة من الإطار القومي أو الديني إلى إطار المواطنة سيجعل هذا النوع من المجتمعات يتحول من وحدة نوعية إلى وحدة تكامليّة تجتمع فيها الأعراق والأديان والثقافات المختلفة. وهذا، بطبيعة الحال، يتطلب مجموعة من الآليات والترتيبات العملية حتى تعاد صياغة بعض المفاهيم كالولاء والسلطة والتشريعات والحقوق والواجبات. فقديما كان طبيعيا، بل ومحمودا، أن يتعصّب الإنسان لقومه على حساب الأقوام الأخرى التي تنتمي إلى عرق أو دين آخر. الآن، أصبحت هذه الأقوام تنتمي إلى المجتمع الواحد، ولها هدف مشترك ومصلحة واحدة، فكيف يمكنها تحقيق هدفها إذا بقي هذا التعصب قائما؟

التربية على التعايش

إنّ تغيير القوانين والتشريعات لن يكون كافيا إن لم يصاحبه تغيير عميق في ثقافة المجتمع بما يحقق التعايش والوحدة في التنوع، وهنا يكمن دور التربية. غير أنّ التربية على قيم التعايش هي مسؤولية مجتمعية وليست مسؤولية المدرسة ومناهجها فقط. فإذا كان خطاب المجتمع خطابا مضادا لخطاب المدرسة فمعنى ذلك أن قيمه غير متطابقة أو متناغمة مع قيمها، وإذا لم تكن متطابقة ومتناغمة فإن المدرسة لا معنى لها، لأنها لا تحقق المشاركة في فرص الحياة ومن ثم فإنها لن تحقق التعايش وتضمنه. إن البداية الحقيقية لترسيخ قيم التعايش وقبول الاختلاف تبدأ من البيت ومن الأسرة الصغيرة، وتمتد هذه الثقافة إلى الحي وإلى المدرسة، ثم تتسع لتشمل منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية بمختلف ألوانها الاجتماعية والسياسية والثقافية والإعلامية والاقتصادية والدينية. فهذا التغيير في الثقافة لن يتأتى إلا من خلال "عَمَليَّة التَّعَلُّم" المستمرة والموجهة لكل الفئات العمرية ولكل شرائح المجتمع.

لا يخفى علينا جميعا ما تسببه التعصبات المتأصلة فينا من عراقيل وحواجز ثقيلة أمام التعايش وتقبل الاختلاف، وكأننا لا ننتمي لنفس العائلة الإنسانية. فالتعصب كان ولا يزال آفة خطيرة تودي بأصحابها إلى التطرف والإرهاب وإقصاء المختلفين لغويا وجنسيا وفكريا ودينيا. فلا يمكننا الحديث عن التعايش في ظل ثقافة تكرس التعصّب على مستويات عدة، تؤثر في بنية المجتمع وفي سيرورته. كما لا يجب أن ننسى أنّ السبب الأصلي للتعصب هو الجهل الذي يمكن إزالته من خلال العمليات التعليمية التي تجعل المعرفة في متناول الجميع، وتضمن ألا تصبح ملك أقلية ذات أفضلية.

وعديدة هي بالطّبع المسائل التي يجب أن تتناولها العمليات التعليمية الجارية حاليًّا في جميع مناطق العالم. فكيف يمكن تمكين جماعات كبيرة من الرجال والنساء لتحرير أنفسهم من حدود السلبية واللامبالاة والانخراط في النشاطات التي تؤدّي إلى تطورهم الروحاني والاجتماعي والفكري؟ كيف يمكن مساعدة الشباب على اجتياز مرحلة حساسة وخطيرة من حياتهم وتمكينهم من توجيه طاقاتهم نحو تقدّم الحضارة؟ كيف تُخلق ديناميكيات ضمن العائلة كوحدة تفضي إلى الازدهار المادي والروحاني دون غرس مشاعر النفور في الجيل الصاعد تجاه "آخر" وهمي؟ وكيف يكتسب الوطن أهميته باعتباره إطارا جامعا، تتشكل من خلال تفصيلات تاريخه، وخصوصيات حاضره، وملامح سيرورته المستقبلية، عناصر وعي جماعي مرجعي بقيم مشتركة، هي أساس هويتنا الإنسانية؟


خـــــاتمة

مدركون للطبيعة العضوية التي تسم العلاقة بين الأفراد والمجتمع والمؤسسات، والتي قد تتخللها بعض التحديّات بين الفينة والأخرى، فإن بعض التفاصيل والأحداث المنعزلة لا تستدعي الوقوف عندها وإعطاءها أكثر من حجمها. كما أن هذه اللمحة الموجزة عن الجامعة البهائية المغربية وعلاقتها بمؤسسات الدولة التي تنتمي إليها وتدين لها بالطاعة والولاء، لا يرجى منها أي تظلّم أو شكاية، فهي لا تعدو كونها مجرّد سرد لمجريات الأحداث بكل نزاهة وأمانة. فليس للبهائيين المغاربة من مطالب فئوية يسعون للحصول عليها، بقدر ما هم منشغلون بالمساهمة في إحداث تحول فردي وجماعي يركز على مبادئ الوحدة والتعايش ويحقق الرخاء والازدهار لكل فئات المجتمع.

ونحن على يقين بأن بلدنا يسير على درب الحداثة والتنمية المستدامة، وبأنه يراعي المصلحة العامة قبل الخاصة، ويسعى إلى التغيير الإيجابي الذي يتماشى مع التزاماته الطوعية أمام المنتظم الدولي بكثير من الجد ولكن، أيضاً، بكثير من الحكمة. لذلك لا يسعنا إلا الدعاء له بالتوفيق والسداد، والمساهمة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، فكثيرة هي التضحيات التي تلزمنا لكي نستطيع التعايش معا في وحدة وسلام. ولعلّ ما نحتاجه اليوم أكثر من أي شيء آخر هو إيجاد نظرة جماعية للأمور، والبحث عن الحلول من خلال عملية تشاورية وبمنحى تَعَلُّمِي، مستلهمين أفكارنا من تراثنا الإنساني ومن التجارب العملية. وفي نظام عالمي كالذي صرنا نعيش فيه لا يمكننا تحقيق التقدم في معزل عن الآخرين، وما ينتظرنا من تحديات يتطلب التعاون من الجميع. فالأَرض وطنٌ واحد، وكلُّ البشر سُكانه.


مراجع

1. الموقع الإلكتروني للجامعة البهائية المغربية https://www.bahai-ma.org

2. بهاءُ الله (1817 - 1892) https://www.bahai.org/ar/bahaullah

3. الجامعة البهائية العالمية | مكتب الأمم المتحدة https://www.bic.org

4. محمد كبداني، "الإبحار- مذكرات بهائي حكم عليه بالإعدام"، (تونس : دار النشر السمسرة)

5. البوابة القانونية والقضائية لوزارة العدل المغربية http://adala.justice.gov.ma

6. مكتبة المراجع البهائية https://www.bahai.org/library

7. مشرق أذكار أمريكا الجنوبية http://templo.bahai.cl

8. دستور المملكة المغربية http://www.sgg.gov.ma/Portals/1/lois/constitution_2011_Ar.pdf

9. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان | حرية الدين أو المعتقد https://www.ohchr.org/ar/Issues/FreedomReligion/Pages/FreedomReligionIndex.aspx

10. موران، “الحوار يفترض التكافؤ”، حوار أجرته: صوفيا بخاري، تعريب: صابر الحباشة، مجلّة كتابات معاصرة، العدد: 80، بيروت، ماي ـ جوان 2011، ص10.

11. محمد عابد الجابري، "المواطنة والمواطن جولة أولى"!، سلسلة مواقف،الطبعة الأولى، 19-02-2008

0 مشاهدة

 2019 .  Tous droits réservés

MAROC

 Communauté Baha'ie du Maroc